ابراهيم بن عمر البقاعي
705
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان التقدير : فإن أطعتموهم تركتم الهدى وتبعتم الهوى ، وكان من المعلوم أن الهوى يعود إلى الشرك ، عطف على هذا قوله : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أي المشركين تدينا بما يقولونه في ترك الأكل مما ذكر اسم اللّه عليه والأكل مما لم يذكر اسم اللّه عليه ، أو في شيء مما جادلوكم فيه إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ * أي فأنتم وهم في الإشراك سواء كما إذا سميتم غير اللّه على ذبائحكم على وجه العبادة ، لأن من اتبع أمر غير اللّه فقد أشركه باللّه كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث عدي بن حاتم رضي اللّه عنه في قوله تعالى اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [ التوبة : 31 ] من أن عبادتهم لهم تحليلهم ما أحلوا وتحريمهم ما حرموا « 1 » ، فنبه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك على أن الأسماء تتبع المعاني ؛ قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي الشافعي في باب الضحايا من كتاب الروضة : حكي في الشامل وغيره عن نص الشافعي أنه لو كان لأهل الكتاب ذبيحة يذبحونها باسم غير اللّه كالمسيح لم تحل ؛ وفي كتاب القاضي ابن كنج « 2 » أن اليهودي لو ذبح لموسى والنصراني لعيسى عليهما السّلام أو للصليب حرمت ذبيحته ، وأن المسلم لو ذبح للكعبة أو لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فينبغي أن يقال : تحرم ، لأنه ذبح لغير اللّه تعالى ، قال : وخرّج أبو الحسن وجها آخر أنها تحل لأن المسلم يذبح للّه ولا يعتقد في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما يعتقده النصراني في عيسى عليه السّلام . قال : وإذا ذبح للصنم لم تؤكل ذبيحته سواء كان الذابح مسلما أو نصرانيا ، وفي تعليقه للشيخ إبراهيم المروزي أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير اللّه ، واعلم أن الذبح للمعبود باسمه نازل منزلة السجود له . وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم ، العبادة المخصوصة باللّه تعالى الذي هو المستحق للعبادة ، فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة لم تحل ذبيحته ، وكان فعله كفرا كمن سجد لغيره سجدة عبادة ، وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه ، فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه - بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيما لها لأنها بيت اللّه تعالى أو لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فهذا لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة ، وإلى هذا المعنى يرجع قول القائل : أهديت للحرم أو للكعبة ، ومن هذا القبيل الذبح عند استقبال السلطان ، فإنه استبشار بقدومه نازل منزلة ذبح العقيقة لولادة المولود ، ومثل هذا لا يوجب الكفر ، وكذا السجود لغير اللّه تذللا
--> ( 1 ) حسن . أخرجه الترمذي 3095 من حديث عدي بن حاتم في خبر قدومه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال الترمذي : هذا حديث غريب ، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث ا ه وذكره السيوطي في الدر المنثور 3 / 230 ، فزاد نسبته لابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ا ه وقال ابن كثير في تفسيره 2 / 362 : رووه من طرق عنه . ( 2 ) هو يوسف بن أحمد بن كنج الدينوري الشافعي ، فقيه القضاة .